أودّاء الله
العشـق
اعلم أنَّ المحبَّة والودّ و العشق و الشوق و الإرادة و الميل والابتهاج
ونحوها تشير إلى معنى واحد ، ففي تعريف الحبِّ قالوا :
{ هو تعلُّقٌ خاص و انجذاب مخصوص بين المرء وكماله }
وقالوا أيضاً:
{ ميل النفس إلى الشيء لكمالٍ أو جمالٍ أدركتْه فيه بحيث يحمله إلى التقرُّب
إليه }
والودُّ هو :
{ محبة الشيء وتمنِّي كونِه }
أي أنَّه يصير ذلك الشيء بعينه والتمني هو :
{ تشهِّي حصول ما تودُّه }
و في الدعاء :
{ يا منى المحبّين }
والعشق هو :
{ المحبة المفرطة }
قال العلاّمة المجلسي رضوان الله تعالى عليه :
{عَشِقَ من باب تعب ، والاسم العِشق وهو الإفراط في المحبَّة أي أحبَّه حباً
مفرطاً من حيث كونه وسيلةً إلى القرب الذي هو المطلوب الحقيقي}(بحار
الأنوار ج 70 ص 253 رواية 10 باب 55)
قال ابن عبّاد في محيط اللغة:
{ عشِق : كلِف }
وقال في معنى كلِفَ :
{ و الكلَف ، الإيلاع }
كلمة العشق في الشريعة
وردت هذه الكلمة في الشريعة في مواردَ معدودة نشير إلى بعضها:
ألف :
في الحديث القدسي :
{من عشقتُه فقد قتلتُه ، ومن قتلتُه فعليَّ ديتُه ، ومن عليَّ ديتُه فأنا
ديتُه }(
شرح الأسماء الحسنى ج1 ص 34)
ب:
و قد ورد في الحديث :
{ عن علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس عن عمرو بن جميع، عن أبي
عبد الله عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم : أفضل
الناس من عشق العبادة فعانقها، و أحبَّها بقلبه ، و باشرها بجسده ، و تفرَّغ
لها ، فهو لا يبالي على ما أصبح من الدنيا ، على عسر أم على يسر }
(الكافي ج 2 ص 83 رواية 3)
ج :
عن كتاب الخرائج:
{قال الباقر عليه السلام : خرج عليٌ عليه السلام يسير بالناس حتّى إذا كان
بكربلاء على ميلَين أو ميل ، تقدَّم بين أيديهم حتّى طاف بمكانٍ يقال لها
المقدفان ، فقال: قُتل فيها مائتا نبيٍّ و مائتا سبطٍ ،كلُّهم شهداء ، و
مناخُ ركابٍ
(أي محط الرحال يقال ناخ البعير في هذا الموضع أي لزمه)
و مصارعُ عشّاقٍ ، شهداء لا يسبقُهم من كان قبلَهم و لا لحقهم مَن بعدهم }(بحار
الأنوار ج 41 ص 295 رواية 18 باب 114)
فكيف لم يستعمل الشرع هذه الكلمة كثيراً ؟
فوجه ذلك ربّما هو لأجل تداول الكلمة على ألسنة أهل الدنيا التابعين للشيطان
والهوى النفساني فاشتهر عندهم في المحبَّة الشهوية الزائلة فلو استعملته
الشريعة فربَّما كانت تتداعى في الذهن تلك الأمور المقرِّبة إلى الشيطان
والمبعدة عن الله ، وهذا نظير عدم ورود كلمة اللامس والشام والذائق في حق
الله سبحانه و تعالى لئلا يتصوَّر البعض أنَّ اللهَ جسمٌ بخلاف السميع
والبصير والمدرك .
الفرق بين العشق و العلم
العلم
هو انعكاس صور الأشياء في ذهن الإنسان ،و هو يتبع المعلوم تمامًا ويطابقه
عيناً فيعكسه انعكاساً كاملاً إن كان حسَناً فحسنٌ وإن كان قبيحاً فقبيحٌ ،
و أمّا العشق فليس كذلك بل له بعد داخليٌ نفسانيٌّ أكثر وأعلى مستوىً
من الجانب الخارجي الظاهري ، فميزان العشق لا يتبع الحُسن بل يتبع مستوى
استعداد الإنسان ومستوى إمكانية العاشق وأرضيَّته النفسانيَّة واقتضائه
الروحي ، وفى الحقيقة يبحث العاشق وراءَ مبرِّرٍ ، فبمجرد أن واجه
موضوعاً ما يتناسب مع ما هو عليه من الروحيَّة ، انسجم معه من غير أن ينكشف
لديه رمزُ هذا الانسجام وسرُّه ، ومن هنا قيل أنَّ العشق ليس له دليل ،
بل القوة الكامنة في الإنسان هي التِّي تتجلَّى و تخلق الحسنَ بمقدار
إمكانياتها واستعدادها الذاتي.
يقول العلامَّة الخواجة نصير الدين الطوسي في شرح الإشارات لابن سينا :
{ والحبُّ النفساني هو الذي يكون مبدأه مشاكلة نفس العاشق لنفس المعشوق في
الجوهر
(أي الحقيقة واللب لا الظاهر والقشر)
ويكون أكثرُ إعجابه بشمائل المعشوق لأنَّها آثارٌ صادرة عن نفسه وهو يجعل
النفس ليِّنة شيِّقة ، ذاتَ وجدٍ ورقَّة منقطعة عن الشواغل الدنيويَّة}(شرح
الإشارات)
ولأجل هذه المشاكلة بين المحبوب والمحبّ حيث تنتقل صفات المحبوب إلى المحب
نشاهد اهتمام الإسلام في انتخاب الصديق حيث أن الحبَّ يَخلق الجمال ويؤدى إلى
الغفلة، وحيثما أشرق الحبّ سوف نُشاهد العيوب محاسناً والأشواك وروداً فيُعمى
ويُصمّ كما ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم:
{حبُّك للشيء يعمي ويصم}(بحار
الأنوار ج77 ص166 رواية 2 باب 7)
ومن هذا المنطلق نلاحظ أن كل إنسان يرى كمال نفسِه ورفعةَ عقلَه وجمالَ
وَلَده ، فالعشق رغم أنه يدقِّق فهم الإنسان و يثير أحاسيسه، يؤطِّر نظرَه
فيجعله مُنصبّاً في نقطة واحدة فقط فيَستر عيوب المعشوق بل يُظهر العيوبَ
محاسناً والظلمات نوراً.
ونفس الكلام يأتي في ضدِّ العشق والحب وهو البغض فهو أيضاً يُعمي ويُصم.
العشق بالكمال المطلق فطريّ
قال الإمام قدِّس سرُّه :
{الفطرة التي فَطر اللهُ الناسَ عليها هي تلك الحالةُ والهيئةُ التي هي من
لوازم وجود الناس ومن أسس بنائهم، وهي لطف من الله سبحانه للإنسان خاصَّة في
قبال سائر الموجودات، ينبغي أن نعلمَ أنَّ كلَّ أمرٍ يتعلق بالفطرة لابدّ وأن
لا يقع فيه أيُّ شَكل من الخلاف والاختلاف بل من اللازم أن يتَّفق الناس
كلُّهم مع الحكم الفطري، العالم منهم والجاهل، المدنيُّ والبَدَويّ وحتّى
الإنسان الذي يعيش مع الوحوش في الغابات والذي لم يشمَّ رائحة الحياة
الاجتماعية. ومن ناحية أخرى إن اختلاف البلدان والأمكنة والأذواق والأهوية
والآراء والعادات رغم تأثيرها على كلِّ شيء حتّى على الأحكام العقلية
القطعية، يستحيل أن تؤثِّر وتغيِّر أحكام الفطرة قيد أنملة وأيضا الاختلاف في
الأفهام من ضعف الإدراك وقوَّته لا يؤثِّر في أحكام الفطرة، وذلك حيث تقول
الآية:
{ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ
النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ
الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}(الروم/30)
ثمَّ:
إنّ من الأمور الفطرية التي جُبِل عليها جميعُ البشر من غير استثناء هو:
(العشق للكمال) فمع التجوّل في الأدوار التي مرَّت بها البشرية، واستنطاق
كلِّ فرد من أفرادهم وكلِّ طائفة من طوائفهم نجد أن هذا العشق والحبّ قد جُبل
في طينته ونجد أن قلبَه متوجِّه نحو الكمال، بل جميع حركاته ومساعيه ليست هي
إلاّ لأجل هذا الحب الكامن في ضميره فهو يريد الوصول إلى الكمال، ويطلب
مشاهدة معشوقه ومحبوبه؟ وكلٌّ يجد معشوقه في شيء فيطلب ذلك الشيء و يتفانى
في سبيله، فأهلُ الدنيا يحسبون الكمال في الثروة فيسعون للوصول إليها وأهل
العلم في العلم وأهل الآخرة في العبادة وهكذا، فالناس جميعهم يسعَون نحو
الكمال، فإذا تصوَّرُوه في موجودٍ أَو موهومٍ تعلَّقُوا به وعشقوه، ولكن على
الرغم من ذلك فليس عشقُهم لهذا الذي ظنوه بأنه معشوقهم، وهذا الذي توهموه
وتخيَّلوه ليس هو كعبة آمالهم إذ لو رجع الإنسان إلى فطرته لوجد أن قلبه في
الوقت الذي يُظهر العشق لشيءٍ ما فإنَّه يتحوَّل عن هذا المعشوق إلى غيره إذا
وجد الثاني أَكمل من الأول وهكذا، بل إن نيران عشقه لتزداد اشتعالاً فالإنسان
يحبُّ الجمال فيصل إليه ولا يقتنع به بل يطلب أجمل منه وهكذا، ويعشق القدرة
فيصل إليها ثم لا يستقر بل يتزايد حبُّه إليها ولا تخمد نار اشتياقه أصلاً..
بل تزداد لهيباً.. وهذه الحالة تشمل جميع البشرية من غير استثناء.
ثمَّ إنَّ الإنسان إنَّما يعشقُ الكمال الذي لا عيب فيه لا كمال بعده، والعلم
الذي لا جهل فيه والقدرة التي لا عجز فيها والحياة التي لا موت فيها أي
الكمال المطلق }(الأربعون
حديثاً)
فعندما ينظر الإنسان إلى الوردة الجميلة مثلاً ويلذُّ، فهو في الواقع لا يلتذ
من الوردة ولا يُريدها كَوردةٍ بل النفس تلتذ بالجمال وتحبُّ الجمال فلو فقدت
الوردة جمالَها فلا تحبُّها النفس أصلاً، وهكذا بالنسبة إلى كلِّ هالك وآفل،
فالمطلوب إذاً هو الجمال والكمال غير المحدود وغير المؤطَّر، وهو الله
سبحانه.
من هنا نشاهد شيخ الأنبياء إبراهيم الخليل على نبيِّنا وآله وعليه السلام
ينفي كلَّ آفل حتَّى يصل إلى الربّ :
{وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
وَلِيَكُونَ مِــنْ الْمُوقِنِينَ
*
فلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي
فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ
*
فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ
لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ *
فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ
فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ *
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا
وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ}(الأنعام/77-79)
الكمال المطلق هو الله
ثمَّ استنتج الإمام قدِّس سرُّه و قال:
{ فهل هناك كمال مطلقٌ سوى الله سبحانه وتعالى؟ وهل هناك جمال مطلق وعلمٌ
مطلق و قدرة مطلقة سواه تعالى؟ فإذاً الكلّ يطلبه سبحانه وهو أمل الآملين:
{إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ }(الأنعام/79)
العشق فعلي حقيقي فالمعشوق فعلي حقيقي:
وحيث إن العشق في الإنسان أمرٌ فعليٌ حقيقيٌّ وليس بموهوم أو متخيل إذ أنَّ
كلَّ موهوم هو ناقص، والفطرة إنما تتوجَّه إلى الكامل، فإذاً هناك معشوقٌ
فعليٌّ حقيقي وهو الكمال المطلق وهو الله سبحانه وهو موجود بالفعل:
{ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ }
(إبراهيم/10)
وهو واحد لا شريك له وأحدٌ غير مركَّب
(ويعني بالتركيب أعم من التركيب في الخارج أو في الذهن والتصوُّر، لأنَّ
المركب مهما كان يتكوَّن من أجزاء وكلُّ جزء يحتاج إلى الآخر كما أنَّ الكل
يحتاج إلى أجزاءه، والله هو الغني المطلق)
لأنَّ كلَّ كثير ومركب ناقص، لأنَّ الكثرة لا تكون دون محدودية والمحدودية
نقص
(لأنَّ المحدود يلازم المكان والزمان الخاص فإن كان هنا فهو ليس هناك وإن كان
في هذا الزمان فهو ليس في ذاك الزمان فهو إذاً ليس بمطلق)
، وكلُّ ناقص مرغوب عنه من جانب الفطرة }
الشيطان والتزيين
من حيَل الشيطان هو تزيين القبيح كي يشتاق إليه الإنسان لأنَّ الإنسان لا
يحبُّ إلاّ الجميل، فهذا إبليس يقول وبكلِّ جدٍ وعزم:
{ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ
وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}(الحجر/39)
وقال تعالى :
{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ
وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ
الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}(آل
عمران/14).
والذي قد أغواه الشيطان سوف يصل إلى مستوى يقول عنه تعالى:
{ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي
الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ}
(الرعد/26).
ليس ذلك إلاّ لأنَّه يرى القبيح جميلا فيفرح به .
وأيضاً
من حِيَل الشيطان هو إظهار الفاني
(ونعني بالفاني هو الزائل لا الفناء بمصطلحه العرفاني الذي يعني المحو
والذوبان وإن كان بهذا المعنى أيضاً صحيح)
وكأنَّه باقٍ
لا فناء يعتريه ولا نقصٍ يواجهه وذلك لأجل أن يرغب فيه الإنسان المحبّ
للمطلق، ومن هنا استطاع أن يغوي آدم وزوجته:
{فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى
شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَ يَبْلَى}(طه/120)
ولأنَّ آدم كان يعشق الكمال المطلق فبطبيعته انجذب إلى الشجرة التي كان
يظنُّها شجرةَ الخلد والملك الذي لا يبلى .
وحيث زيَّن الشيطان ما أوتي قارون من أموال ، كان جماعة من قومه يتمنون أن
يصلوا إلى ذلك مستواه قال تعالى :
{فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ
الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ
لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}(القصص/79)
ومن هذا المنطلق نشاهد الإنسان يسعى وراء كل ما يراه مشتملاً على الكمال
فيعشقه .
وجميع مصاديق العشق المجازي
(وهو العشق الذي أطلق عليه اللفظ مجازاً من باب الإسناد إلى غير ما هو له كما
تقول جرى الميزاب والماء هو الجاري أو مشى زيدٌ والسفينة التي هو راكبها قد
مشت)
ترجع إلى هذا الأمر حيث يرى العاشق محبوبه الحقيقي أعني المطلق في ذلك
الموجود الخارجي فيحبَّه ويرغب إليه.
يقول محيي الدين ابن العربي:
{ما أحب أحدٌ غير خالقه ولكنَّه تعالى احتجب تحت اسم سعاد وهند وزينب}
دور الأنبياء والأولياء
ومن هنا يمكننا أن نعرف دور الأنبياء والأولياء فهم لم يُبعَثوا لإزالة ذلك
العشق الفطري للكمال وتحطيمه ، بل بُعثوا لأجل تصحيح وجهة العشق وهدايته إلى
الكمال المطلق الحقيقي الفعلي لا الكمال الموهوم.
وبعبارة أخرى مهمَّةُ الأنبياء والأولياء هي إرجاع العباد إلى الله سبحانه
وتعالى الذي هو أمنيتهم ومأمولهم الواقعي فلا يطلب العبد من ربِّه شيئاً سوى
نفسَه فهو يريد كل البهاء(البهاء
هو الحسن والمقصود من كل البهاء أي البهاء الذي لا حدَّ له وهو الله تعالى)
وكل الجمال وكل الرحمة وكل النور وكل الأسماء فهو إذاً يطلب الله سبحانه
ويريد أن يرجع إليه:
{إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى}(العلق/8)
ويلقاه ويسرَّ ويأنس به :
{يا سرور العارفين يا منى المحبين يا أنيس المريدين يا حبيب التوابين يا رازق
المقلين يا رجاء المذنبين يا قرة عين(وقرة
العين رؤية ما تقر به العين يقال أقر الله عينيك أي صادف فؤادك ما يرضيك فتقر
عينك حتى لا تطمح بالنظر إلى ما فوقه)
العابدين(بحار
الأنوارج94 ص389 رواية 3 باب 52)
{يا سرور الأرواح ويا منتهى غاية الأفراح}(بحار
الأنوار94 ص 111 رواية 16 باب 32)
ولا دواء للنفوس إلاّ اسمه ولا شفاء للقلوب إلاّ ذكره:
{يا من اسمه دواء وذكره شفاء}(دعاء
كميل)
هل الدين إلاّ الحب
فاتَّضح مما تلونا عليك أنَّ الدين ليس هو الشريعة فحسب أعني القانون الصادر
من الشرع المقدس المشتمل على الأحكام المختلفة من الوجوب والحرمة والاستحباب
والكراهة والإباحة ! فليس الدين هو الصلاة ! والزكاة !وسائر العبادات وليس هو
المعاملة كما تصوَّر البعض! بل كلُّ تلك الأمور هي ظاهر الدين وأمّا باطنه
وروحه هو العشق بالله تعالى والتقرُّب إليه.
وقد أكَّدت الأحاديث الكثيرة على ذلك نذكر بعضها ففي الكافي:
{عن على عن أبيه عن حماد عن حريز عن فضيل بن يسار قال سألت أبا عبد الله عليه
السلام عن الحبّ و البغض أَمِنْ الإيمان هو؟ فقال : و هل الإيمان إلاّ الحبّ
و البغض ! ثمَّ تلا هذه الآية { حبَّب إليكم الإيمان و زيَّنَه في قلوبكم
وكرَّه إليكم الكفر و الفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون }(بحار
الأنوار69 ص241 رواية 16 باب 36)
وفي حديث آخر عن الحسين بن سيف قال:
{سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول لا يمحّض رجلٌ الإيمانَ بالله حتى يكون
الله أحبَّ إليه من نفسه وأبيه وأمِّه وولده وأهله وماله ومن الناس كلّهم}(بحار
الأنوار ج70 ص24 رواية 25 باب43).
ومن هنا تعرف السر في أهميَّة النيَّة قربةً إلى الله في العبادات وحتى في
المعاملات وأيضاً تعرف الدور التخريبي الفضيع للرياء والعُجب في العبادات وقد
وردت أحاديث كثيرة في أثر داء الرياء ففي الكافي:
{عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد عن عثمان بن عيسى عن علي بن سالم
قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال الله عز و جلَّ أنا خير شريك من
أشرك معي غيري في عملٍ عمِله لم أقبلْه إلاّ ما كان لي خالصا}(بحار
الأنوارج72 ص288 رواية 9 باب 116)
تهذيب النفــس
إن القلب رغم صغر حجمه المادِّي لكنَّه هو المنشأ لجميع الخيرات أو الشرور،
ومن الواضح أنَّنا لا نقصد من القلب حينئذٍ هو العضو الجسماني بل ننظر إلى
الجانب الآخر منه وهو المرتبط بروح الإنسان، ونظراً إلى هذا الجانب قد وصفه
القرآن الكريم بصفات حسنة وسيِّئة، فأهم الصفات الحسنة للقلب هي:
{الربط
(الربط على القلوب يراد به تشجيعها وتقويتها ووثوقها وتقييدها)
والاطمئنان
والوجل
(الوجل استشعار القلوب)
والإخبات
(الإخبات الخشوع والخضوع للرب تعالى)
والهداية واللين والسلامة والتآلف
(التآلف ضد التفرق والمعاداة)
والرغبة والطهارة والإيمان والرأفة والرحمة والخشوع والتقوى والحميَّة
(الحمية الغيرة والأنفة)
والسكينة
(السكينة الهون والوقار)
والفقه}
كما أنَّ أهم الصفات السيِّئة له :
{المرض والرين
(قال الجوهري الرين الطبع والدنس يقال ران على قلبه ذنبه يرين رينا وريوناً)
والطبع
(الختم الطبع)
والغلّ
(الغلّ
الحقد والشحناء)
والقساوة والكفر والفسوق والعصيان والكنان
(كنان هو الغطاء الذي يكن فيه الشيء أي يستر وجمعه أكنة)
والنفاق والقفل والاشمئزاز
(الاشمئزاز الانقباض والنفرة والكراهة)
والريب
(الريب أقبح الشك)
والعمى واللهو والغيظ
(الغيظ شدّة الغضب)
والختم والغلظة والحسرة والزيغ
(الزيغ الميل عن استقامة)
والإثم}
ومن الطبيعي أن نتساءل ونقول:
ما هي الوسيلة التِّي يمكننا من خلالها أن نُصلح أنفسنا و نُهذِّب قلوبنا من
الأرجاس والأنجاس وأن نبعدها ونطهِّرها من الأقذار لتتلبَّس بالحسنات
والخيرات ؟
هناك طرق مختلفة لذلك أهمُّها:
سبيل العقل
وهي الطريقة السقراطية ، يقول أصحاب هذا الأسلوب:
إنَّ الطريق الوحيد لتهذيب النفس هو الاعتماد على العقل والتدبير، فينبغي
للإنسان أن يتعرف على فوائد التزكية ويؤمن بها وأيضاً يعرف مَضرّات إهمالها،
ثم وبالاستعانة بالعقل يعثر على الصفات الذميمة فيبدأ في قلع جذورها واحدة
تلو الأخرى إلى أن يتخلَّص منها تماماً.
ومَثَله كمثل الزارع الذي يعثر على النبت غير الصالح والأعشاب المضرَّة
فيقلعها من مزرعته أو كمن يَفصل ذرّات التراب من حبّات الحنطة ، فينبغي
للإنسان أن يتأمَّل في نفسه ويبحث فيها لغرض العثور على المساوئ والمفاسد
الخُلقية ثم يبدأ بقمعها وإزالتها واحدةً واحدةً حتَّى يتخلَّص منها جميعاً.
تلاحظ أنَّ الفيلسوف يريد أن يحقق إصلاحَ النفس من خلال المعادلات العقلية
ومعرفة الخير والشرّ فيقول مثلاً:
إنَّ العفة والقناعة تؤديان إلى عزة الإنسان و بروز شخصيته لدى الناس والطمع
يجرُّه إلى الذلِّ والهوان، أو أن العلم يورث القدرة في الإنسان وهو مصباح
يميِّز به الطريق السويِّ من الطريق المعوج، أو أن الكبر من الأمراض
الروحيَّة التِّي تنتج منه عواقب سيِّئة للفرد والمجتمع، والرياء يورث الشرك
وهكذا بالنسبة إلى سائر الصفات الحسنة والسيئَّة، ثمَّ يبدأ بقمع الشرور
وتثبيت الحسنات ، فَمثَل هذا الإنسان مَثَلُ من أراد فصلَ بُرادةِ
الحديد المختلَط بالتراب وذلك بواسطة يديه، فكم ينبغي أن يعاني من تعبٍ
ومشقَّة كي ينجح في إزالة جميع حُبيبات الحديد المتفرِّقة في التراب،
وبالأخير سوف لن يتمكَّن من ذلك بل لا مُحالةَ سوف يتبقى شيء من البرادة في
التراب قطعاً .
فإذاً
هذا الأسلوب يتطلَّب الصبر الجميل والاستقامة المتواصلة، ومن الصعب أن
يُوَّفق الإنسان للوصول لذلك المستوى بحيث يمكنه تصفية نفسه من العيوب تمامًا
فهو إذاً أسلوبٌ جيِّدٌ ولكن الكلام كلّ الكلام في مستوى جودته عندما نقايسه
بالأسلوب الثاني.
سبيل العشق و الحبّ
وهو سبيل العرفاء وهذا الأسلوب هو الأسرعُ تأثيراً والأقلُّ خَطراً وهو سبيل
الحبّ والعشق والذوبان في المعشوق من أجل تطهير النفس من العيوب.
من نحبّ ؟
قد اتَّضح لك أنَّ المحبوب بالأصالة هو الله سبحانه لا غيره فكلُّ ما يُطلَب
من دون الله مهما كان مستواه فهو موهوم والتوجه إليه يورث الشرك بالله تعالى،
وذلك لأنَّ القلب هو محلّ الحبّ ولا يمتلك الإنسان إلاّ قلباً واحداً قال
تعالى:
{مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}(الأحزاب/4).
وقال الصادق عليه السلام :
{القلبُ حرم الله فلا تُسكن حرمَ الله غير الله}(بحار
الأنوار ج70 ص25 رواية 27 باب 43)
ولكن هل بإمكاننا أن نتعلَّق بالله سبحانه ونرتبط به بصورةٍ مباشرة؟ هذا ما
سنجيب عنه فنقول:
مشيئة الله سبحانه
إنَّ الله سبحانه أراد فخلق، والمخلوقات ليست هي إلاّ فيوضات الله سبحانه
وتعالى(الفيض
غير المنفصل عن المفيض وغير متجافٍ عنه بل هو مظهر من مظاهره ونور من أنواره
وتجل من تجلياته فهو فقير إليه كما أنَّ المفيض هو القيّوم عليه في حدوثه
وبقائه كالشمس ونورها وكالبحر وأمواجه)
، فعندما أفاض الله الوجود على الأشياء صارت كلُّ واحدة منها مظهراً من
إفاضاته وتجلِّياً من تجلِّياته، فبعضها مظهر الجمال وبعضها مظهر الكرم،
وبعضها مظهر اللطف وهكذا.
ولكن
المهمّ أنَّ الله شاء فخلق فأوَّل مظهر من مظاهر الله هو المشيئة الإلهيَّة(راجع
الكلمة العاشرة حول الولاية التكوينيَّة)
التِّي يُطلق عليها الأمر حيث يقول:
{أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ }(الأعراف
/54)
فبالمشيئة خُلقت الأشياء ولأجلها سُمِّيَت الأشياءُ أشياءً ، فالرابط الأوَّل
بين النور المطلق وسائر الأنوار هو النور الأوَّل ، والواسطة بين الله وسائر
العقول هو العقل الأوَّل وهو نور محمد وآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين ،
ومن خلالهم خلقت الأشياء فهم أولوا الأمر وبهم فتح الله فجميع المخلوقات
مستهلكة في المشيئة التي هي مقام التدلي :
{ دَنَا فَتَدَلَّى }
(النجم/8)
قال الإمام قدِّس سرُّه:
{ وهو المشيئة المطلقة المعبَّر عنها بالفيض المقدَّس و الرحمة الواسعة
والاسم الأعظم والولاية المطلقة المحمدية أو المقام العلوي وهو اللواء الذي
آدم عليه السلام ومن دونه تحته والمشار إليه بقوله ( كنت نبيا وآدم بين الماء
والطين أو بين الجسد والروح) أي لا روح ولا جسد ليس شيء وهو العروة الوثقى
والحبل الممدود بين سماء الإلهية وأراضي الخلقية وفي دعاء الندبة قوله عليه
السلام:(أين باب الله الذي منه يؤتى أين وجه الله الذي يتوجه إليه الأولياء
أين السبب المتصل بين الأرض والسماء)(شرح
دعاء السحر)
وتفصيل ذلك يُطلب في محلِّه.
وعلى هذا الأساس ينقسم المحبُّون لله إلى طائفتين هما:
1-المحبُّون غير المحبوبين
فهؤلاء لا تخلو محبتهم عن شوب أَلم فقدٍ وحزنِ فراقٍ .
2-المحبُّون المحبوبون
وهم الذين وصلوا إلى محبوبهم فصاروا أحبّاء الله وهم محمَّد وآل محمَّد
والمخلَصون من الأنبياء و الأولياء ولذلك ورد في زيارة الرسول صلى الله عليه
وآله:
{السلام عليك يا حبيب الله}(بحار
الأنوار ج 86 ص 24 رواية 25 باب 38)
ومن هنا يختلف سلوك الطائفة الأولى عن الطائفة الثانية ، فالمحبوبون قد وصلوا
إليه تعالى من غير معلِّمٍ ومُرشدٍ بل العناية الأزلية(وهي
مستوى أعلى من الهداية بمعنى إرائة السبيل الشاملة لجميع الناس، وهذه العناية
الإلهية المسبقة لا تنافي اختيار الإنسان لأنَّه باختياره سوف ينتخب الطريق
ولكن الله سبحانه لعلمه بذلك يجعله تحت عنايته الخاصة)
والهداية الإلهيَّة قد شملتهم يقول سبحانه:
{الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى}(الأنبياء/101)
وفي قرب الإسناد:
{عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى والسابقون السابقون أولئك المقربون قال
نحن السابقون و نحن الآخرون}(بحار
الأنوار ج 24 ص 4 رواية 11 باب 23)
واليهم أشار بقوله تعالى :
{وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا}(الإنسان/
21)
قال الحكيم السبزواري:
{وفيهم قال أمير المؤمنين عليه السلام: (إنَّ للهِ تعالى شرابا لأوليائه
إذا شربوا سكروا وإذا سكروا طابوا وإذا طابوا ذابوا وإذا ذابوا خلصوا وإذا
خلصوا طلبوا وإذا طلبوا وجدوا وإذا وجدوا وصلوا وإذا وصلوا اتَّصلوا وإذا
اتَّصلوا لا فرق بينهم وبين حبيبهم) وهو إشارة إلى شراب المحبَّة بكاس
الشوق والإرادة في عالم الأرواح قبل الأجساد حتى لا يبقى بينهم وبينه مغايرة
ولا من إنِّيّاتهم
(أي الأنا التي تحكي عن التعلُّق و الارتباط بعالم المُلك و الدنيا و
التوَرُّط في سجن الطبيعة ، فينبغي الهجرة منها بحيث لا يُسمع أذانها و يخفى
جدرانها)
بقيَّة وتكون المحبة والمحبّ والمحبوب شيئاً واحداً}
وأمّا المحبُّون فينبغي لهم أن يسلكوا الطريق بالترويض والمجاهدة وبالزهد
والتقوى وهم أصحاب اليمين .
العشق بمن يحبُّه الله هو العشق بالله
فينبغي أن يتعرَّفَ الإنسانُ على وليِّ الله الأعظم و يُربِطُ نفسه به ويعقد
قلبه بولائه ومن ثمَّ سوف يتمكَّن من تصفيةِ نفسه من جملة العيوب والشوائب من
دون عناءٍ كبير.
والسرُّ في ذلك أنَّ التصفية الروحيَّة ليست هي إلاّ ارتباط الإنسان بالله
والتخلُّق بأخلاقه تعالى حيث أُمرنا أن نتخلَّق بأخلاق الله
{قال عليه السلام تخلَّقوا بأخلاقِ الله}(بحار
الأنوار ج 61 ص 129 باب 42)
ومن هنا قال عرَّفوا الفلسفة بأنَّه عبارةٌ عن:
{التشبُّهِ بالإله بقدر الطاقةِ البشريَّة}
ويعنُون بذلك تقليل التعلُّقات وإضافة الخيرات والحسنات، فاكتساب الطهارة
والكرم والجمال والعلم وغيرها من الصفات الإلهيَّة يعني الارتباط بالطهارة
المطلقة والكرم والجمال والعلم المطلق، وكلُّ هذه الصفات بالمستوى الرفيع
متوفِّرة في مظهر المشيئة الإلهيَّة وهم محمَّد وآل محمَّد عليهم السلام وهم
الذين يحبُّهم الله ويحبُّونه حيث اتصافهم بصفات محبوب الله فإنّ الله:
{يحبُّ المقسطين} {يحبُّ المتقين}{ يحبُّ المتوكلين} {يحبُّ المحسنين} {يحبُّ
التوّابين ويحبُّ المتطهِّرين}{يحبُّ الصابرين} و{يُحِبُّ الَّذِينَ
يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ}(الصف/4)
فهم مظهر هذه الصفات ومن يريد أن يكتسب حبَّ الله باتِّصافه بها ينبغي له أن
يُربط نفسه بهم عليهم السلام فالله لا يحب المتطهرين إلاّ لذوبانهم في الذين
أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً .
ومثَل هذا الأسلوب كمثل من يستعين بمغناطيسٍ قويٍ لجذب برادة الحديد المختلط
بالتراب ، فبمجردِ امراره على التراب سوف تجتمع جميعُ ذرات الحديد حول
المغناطيس من غير أن تتبقى حتَّى ذرَّة واحدة منها في فكم فرقاً بينه وبين
الذي يخرج البرادة حبَّة حبَّة كما مرَّ.
فقوةُ المحبَّة والإرادة بالكُمَّلين وهم محمَّد وآل محمَّد عليهم السلام هي
المغناطيس الذي يجذب الصفات الرديئة ويعزلَها عن الصفات الحسنة فيهذِّب
الأخلاق ويُصفِّيه من الشوائب الدخيلة ويبعد الروح عن كلِّ ما سوى الله تعالى.
وعلى ضوئه يمكن الوصول إلى حقيقة ما في كثير من الكلمات المأثورة عنهم عليهم
السلام كما في زيارة الجامعة الكبيرة :
{وجعل صلواتنا عليكم وما خصَّنا به من ولايتكم طيباً لخلقنا وطهارةً لأنفسنا
وتزكيةً لنا وكفارةً لذنوبنا}(بحار
الأنوار ج 102 ص 129 رواية4 باب 8).
وفي زيارة أخرى :
{وجعل ما خصَّنا به من معرفتكم تطهيراً لذنوبنا وتزكيةً لأنفسنا}(بحار
الأنوار ج 100 ص 345 رواية 33 باب 4).
وقد ورد في الحديث :
{عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: وينزِّلُ من السماء ماءً ليطهِّركم به
ويُذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبِّت به الأقدام قال: وأمّا
قوله ليطهِّركم به فذلك عليُّ بن أبي طالب عليه السلام يطهِّر الله به قلبَ
من والاه و أمّا قوله: ويذهب عنكم رجز الشيطان فإنه يعني من والى عليّ بن أبي
طالب أذهب الله عنه الرجس وقوّاه عليه}(بحار
الأنوار ج)
ولا يخفى أنَّ ما ذكره عليه السلام ليس بعيداً عن ظاهر الآية المباركة بل
كلُّ من يتأمَّل فيها بعيداً عن العصبيَّة سوف يذعن بذلك، لأنَّه لا توجد
مناسبة كبيرة بين الماء النازل من السماء (لو أريد منه الماء المادي ) و بين
ذهاب رجز الشيطان وربط القلوب وتثبيت الأقدام التِّي هي أمور معنويَّة ، فما
هو رجز الشيطان ؟ هل المقصود منه هو الوسخ أو الميكروب !! ولو فُسِّر الرجس
بذلك فما هو المراد من ربط القلوب وتثبيت الأقدام ؟ وهل للماء هذان المفعولان
؟
فلا محالة ينبغي أن نلتمس معنىً آخر للآية وهو ما ذكره الإمام الباقر عليه
السلام الذي يمثِّل الثقل الكبير من الثقلين الذين أشار إليهما رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلَّم في الحديث المتواتر عنه.
وفي الكافي :
{على بن محمد عن سهل بن زياد عن موسى بن القاسم بن معاوية البجلي عن علي بن
جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام في قول الله عز وجل قل أرأيتم إن أصبح
ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماءٍ مَعين قال: إذا غاب عنكم إمامكم فمن يأتيكم
بإمام جديد}(الكافي
ج 1 ص 339 رواية 14)
فالالتجاء إلى من خصَّهم الله بالطهارة يؤدِّي إلى تطهير النفوس وتزكية
القلوب من الأنجاس والأرجاس، ومحبَّتهم سوف تُسلِّطُ الضَوءَ على جميع أركانِ
وجود المحبِّ وتَصبغُه صبغةَ المحبوب.
فإذاً ينبغي لكل من هو بصدد إصلاح نفسه وتهذيبها أن يودَّ الذين أذهب الله
عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً ، وهذا الوُّد مدرسةٌ متكاملةٌ وهو منشأ جميع
الخيرات والصفات الحسنة كالصبر والإيثار والإخلاص والتواضع والسكينة والشجاعة
وغيرها بل حتَّى العبادات العمليَّة .
ومن هذا المنطلق ورد في الأحاديث أنَّ الدين ليس هو إلاّ الحبّ فكلُّ متهاون
في عمل الخير بعد أن ينطلق من منطلق الحب والعشق سوف يكتسب نشاطاً لا مثيل له
و سوف يكتسب عزماً يجعله قوياً ومُصراً على الاستباق في الخيرات.
والتأريخ الإسلامي
خير شاهد على ذلك ، نذكر نموذجاً من تلك المواقف العظيمة التي صدرت من أحد
العشّاق وهو أبو ذرٍ الغفاري:
{كان أبو ذر تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وآله و سلَّم : في غزوه تبوك
ثلاثة أيام و ذلك إن جَمَلَه كان أعجف(العجف
بالتحريك الهزال و الاعجف المهزول و الانثى العجفاء و العجفاء يجمع على عجف
كصماء على صم)
فلحق بعد ثلاثة أيام و وقف عليه جمله في بعض الطريق فتركه و حمل ثيابه على
ظهره فلما ارتفع النهار نظر المسلمون إلى شخصٍ مقبلٍ فقال رسول الله صلى الله
عليه وآله و سلَّم : كأَنَّ أبا ذرٍ فقالوا: هو أبو ذر فقال رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلَّم: أدركوه بالماء فإنَّه عطشان فأدركوه بالماء ووافى أبو
ذرّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم ومعه إداوة فيها ماء فقال رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلَّم : يا أبا ذر معك ماء وعطشت فقال نعم يا رسول الله
بأبي أنت وأمِّي انتهيت إلى صخرةٍ وعليها ماءُ السماء فذقتُه فإذا هو عذبٌ
باردٌ فقلت لا أشربه حتى يشربه حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم يا أبا ذر رحمك الله تعيش وحدك
وتموت وحدك وتبعث وحدك وتدخل الجنة وحدك يسعد بك قوم من أهل العراق يتولَّون
غسلك وتجهيزك والصلاة عليك ودفنك}(بحار
الأنوار ج 22 ص 429 رواية 37 باب 12)
فاتبعوني يحببكم الله
ثمَّ إنَّ التمسك بأهل البيت عليهم السلام هو تحقيق مصداقيَّة الحبّ في
الخارج ، ومن أبرز مميَّزات المحبِّ هو تنسيق حركاته وسكناته مع محبوبه وهذا
يعني تبعيَّته في جميع الأمور وجعلَه أسوة في اتخاذ المواقف إيجابياً وسلبياً
قال تعالى:
{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ
وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(آل
عمران / 31)
فلا نتيجة عظيمة في حبِّ الإنسان لله بل لا بد أن يصل الحب إلى مستوى يكون
الإنسان محبوباً لله أيضاً .
وقد أكَّدت أحاديثنا على أنَّ التمسك بهم عليهم السلام لا يتحقق إلاّ من خلال
العمل المستمر والسعي المتواصل :
{عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه
السلام في خطبة و أنا حبل الله المتين و أنا عروة
(العروة ما يتمسك به من الحبل و غيره)
الله الوثقى}(بحار
الأنوار ج 4 ص 8 رواية 18 باب 1)
يقول سبحانه و تعالى :
{ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنْ
اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ..}(آل
عمران/ 112)
فالآية الكريمة تشير إلى ذلك حيث أنَّ الحبل له طرفان طرَفٌ إلهيّ وطَرفٌ
خَلقيّ:
{عن المفضل قال سمعت مولاي الصادق عليه السلام يقول كان فيما ناجى الله عزَّ
وجلّ به موسى بن عمران عليه السلام أن قال له: يا ابن عمران كذب من زعم أنه
يحبُّني فإذا جنَّه الليل نام عنِّي أليس كلّ محبٍّ يحبّ خلوة حبيبه، ها أنا
ذا يا ابن عمران مطلع على أحبائي إذا جنَّهم الليل حولت أبصارهم من قلوبهم
ومثلت عقوبتي بين أعينهم يخاطبوني عن المشاهدة ويكلموني عن الحضور، يا ابن
عمران هب لي من قلبك الخشوع ومن بدنك الخضوع و من عينيك الدموع في ظُلم الليل
و ادعني فإنَّك تجدني قريباً مجيباً}(ج
13 ص 329 رواية 7 باب 11)
ومن أهمِّ صفات المؤمن الذي يحبُّ الله ويحبُّه الله هو ما ورد في الآية
الآتية:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ
فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ
يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }(المائدة
/54).
فالتواضع للمؤمنين والتكبر على الكافرين والجهاد في سبيل الله هي أبرز
مصاديقهم .
ثمَّ: إنَّ من الجدير بالذكر ما ورد في دعاء الصباح:
{أصبحت اللهم معتصما بذمامك
(الذمام بالكسر الحق و الحرمة و العهد و الكفالة و الأمان)المنيع...بجدار
حصين الإخلاص في الاعتراف بحقهم و التمسك بحبلهم جميعاً موقناً أنّ الحق لهم
و
معهم و فيهم و بهم
أُوالي من والوا و أجانب من جانبوا فأعذني اللهم بهم من شرِّ كلّ ما اتقيه }(بحار
الأنوار ج 59 ص 24 رواية 7 باب 15) فالاعتصام بذمام الله لا يتحقق إلاّ بالتمسك بحبلهم جميعاً. |